جعفر بن البرزنجي
59
الكوكب الأنور على عقد الجوهر في مولد النبي الأزهر ( ص )
وأما استدلال بعضهم بأن القبر الشريف تنزل عليه من الكمالات ما يقصر العقول عنه ، فكيف لا يكون أفضل الأمكنة ؟ فأقول : القبر الشريف تنزل عليه الكمالات ، والعرش الكريم تنزل عنه الكمالات ، وفرق بين المقامين . فإن قلت : إن نزول ذلك من اللّه لا من العرش ، قلت : فعلى النبيّ صلى اللّه عليه وسلم لا على القبر الشريف . وأما عبادة النبيّ صلى اللّه عليه وسلم في القبر - الذي مال إليه السبكي والسمهودي - فمعارض بعبادته في مكانه في الجنة ؛ فإن ترقياته صلى اللّه عليه وسلم في الجنة دائما - كما قال السمهودي نفسه - والجنة لا تفنى وهي أبدية سرمدية ، فترقياته في الجنة غير متناهية بخلاف ترقياته في القبر الشريف لأن مكثه به متناه ، فكذا ترقياته التي فيه ؛ لأن ما كان في متناه فهو متناه ، فيلزم أن يكون مكانه في الجنة أفضل من قبره بعين هذا الدليل . وقد قال صلى اللّه عليه وسلم : « لقاب قوس أحدكم في الجنة خير من الدنيا وما فيها » « 1 » فهذا صريح في تفضيل الجنة ، ومعلوم أن العرش أفضل من الجنة ، ولم يقل أحد أن الجنة أفضل من العرش ، فيلزم تفضيل العرش على القبر الشريف بدرجتين . ولنا أدلة على تفضيل العرش سنوردها هنا ، فاستمع وأنصف : الأول : أن العرش مخلوق قبل السماوات والأرض بمدة مديدة ، لا يعلمها إلا اللّه ، بل هو أول مخلوق بعد القلم واللوح ، كما قاله إمام المحققين الشيخ محيي الدين بن عربى « 2 » قدّس اللّه سره ، وهو باق أبدى ، وهو مذ خلق تشرّف بشرف الاستواء عليه ، كما أراد اللّه ورسوله من غير تكييف ولا تجسيم ، والقبر الشريف إنما تشرف بدفنه صلى اللّه عليه وسلم فيه سنة عشر من الهجرة .
--> ( 1 ) أخرجه البخاري ( 4 / 20 ، 144 ) ، أحمد في مسنده ( 3 / 153 ) ، الترمذي ( 1651 ) ، أبو نعيم في الحلية ( 6 / 137 ) . ( 2 ) هو محمد بن علي بن محمد بن أحمد ، أبو بكر الطائي الحاتمي الدمشقي ، الصوفي ، صاحب « الفتوحات المكية » وغيرها من الكتب ، توفى سنة ( 638 ه ) .